تفاصيل المقالة

الرئيسية / سلايدر الرئيسية, قصص قصيرة

نشرت بتاريخ : 15 يناير 2018 - بواسطة : admin
فتاة معذبة هل العذاب لعذاب ؟

كانت أمي حاملا بي قبل وفاة والدي وعندما ولدتني سمتني عذاب لاعتقادها بأني سوف أتعذب في صباي بسبب فقدان عاطفة الأبوة وعدم وجود من يقف إلى جنبي ويحنو علي ويتولى رعايتي ويقوم بالصرف علي ؛ ولكن الله أرحم من تصور عباده فقد شملتني رحمته وعنايته ورعايته فقد تيسرت أموري كلها حتى أصبحت في سن الزواج وأخذت أحلم بشاب يحملني على حصان الأحلام ؛ وبينما أنا أفكر بما يفكر به غيري إذ هبط على عمي رجل من دولة عربية يحمل توصية من صديق لعمي يعمل لديه ، وكانت التوصية تطلب من عمي مساعدته على الزواج .
والرجل الذي زارنا على الرغم من أن سنه تجاوزت الأربعين إلا أن نضارته وحيويته وقوته مازلت تغري كثيرا من الفتيات أمثالي ممن يردن أن يجدن حياة هنيئة متكاملة مع رجل قادر وإن طاف عمره الأربعين .
جلس الرجل العربي مع عمي وشرح له بأنه يحمل وكالة زواج من عمه المقعد الذي تجاوز عمره السبعين ويرغب بزواجه من بلدي ويطلب من عمي مساعدته وعندما علم عمي بالمبلغ المعروض كمهر للزواج سال لعابه ونام ضميره ، ثم طبخ الطبخة مع أمي التي سعدت أن تأكل من كبد بنتها وهي مازلت حية .
وأفهمت في البداية بأنه هذا الرجل هو صاحب الشأن حتى كتب العقد ثم قيل لي بأنه وكيل لقريب له يتمتع بكثير من المزايا ويحمل النعوت المفتوحة من الشهامة والكرم
وحتى أكون صادقة فقد أنساني بريق المادة وملابس الزواج والذهب التفكير والتدقيق بالمستقبل ، فوضعت رأسي على نار مستقبلي المظلم وسرت إلى المستقبل المجهول ، ولم استيقظ إلا وعجلة الحياة التي تجاوزت أحلامي تواسيني فبدأت أندب تلك اللحظات التي عرفتني بزوجي الذي جمع إلى جانب فقره المالي فقره الأخلاقي وسوء تعامله معي وكثرة ظنونه بي وربما له الحق أن يظن بي كثيرا إذا كان عاجزا عن تلبية حاجاتي . . . فربما طربت مع مشاهد الشباب وسرحت في أحلام وردية مفقودة وتخيلت أشياء بعيدة وكأنني دمية بين يديه يفتقد كلانا علاقته بالآخر فلا هو قادر أن يسرح بي وينزل إلى مستواي ويكلمني بلغتي واهتماماتي ولا أنا قادرة إلى ترجمة أفكاره والوصول إلى مفاهيمه . . تلك التي ينبشها من قبور ذكرياته البعيدة التي طوى عليها الزمن من حكايات غريبة أنهكتها الأيام ودرسها الدهر وأصبحت مجرد ذكريات .
في حين أن معظم اهتمامي عن الحياة الحاضرة وبهجتها تلك التي لا يحسن استيعابها أو تسلق سلالمها .
وأمام عجزه عن مجاراة المتغيرات فهو ينعتها بالسم القاتل كلانا له لغته الخاصة وفكره المتطرف وشتان بين عذوبة الماء وكدرة وبين من يضع رجله على الطريق وبين من يترقب انتهاء الطريق كل له تفكيره وتخطيطه ويصعب على كل منا أن يقود الآخر إلى مساره كما يصعب أن يلتقي الداخل إلى الحياة والذي يعد عدته للخروج منها .
أحببت أن أشعركم بأني متعلمة وأملك بعض الثقافة حتى أتمكن من أن أضع يدكم على الجرح ولكني لا أملك الوسيلة الحديثة التي تضع كل واحد منا عند تصور الآخر ، والآن دعوني أصحبكم إلى حياتي معه لقد فكرت مبدئيا أن أروض حياتي معه وأقنع نفسي قائلة هذا هو قدري ونصيبي من الحياة ولكن في ظل تلك المفاهيم المستقبلية القاتمة لم أستطع أن أروض نفسي وألعق المر كل لحظة .
فإذا كان فارق السن يذوب أحيانا أمام ما هو أمر منه فإنه بالنسبة لي لا يعني لي الشيء الكثير بقدر ما فكرت بجوانب أخرى أعتبرها أكثر أهمية في نظري وهو عدم قدرته على فهم ميولي وأفكاري كفتاة صغيره يسعدها الفستان الجميل والكلمة الحلوة والتشجيع الدائم ، فهو بجانب فارق السن الذي يصل إلى خمسين سنة دخله المادي متواضع حيث يعتمد على المساعدات الحكومية وأهل الخير ويرجع لهم الفضل في جمع المهر الذي قدمه لأهلي .
كما أن أثاث بيته متواضع ولم يقبل وضع هاتف لنا في البيت أو يسمح لي بعمل بالتواصل مع الجيران تحت ذرائع متعددة لا يحب أن يفصح عن فحواها ، وبنت حواء مثلي تسبر أبعادها ، ولو كنت في محله لجال بمخيلتي كل تصوراته خاصة أمام هذا البون الشاسع في انفراج التوافق ، واعتقد بأنه لا يوجد بيننا صيغة واحدة تجمعنا ولا علاقة واحدة تربطنا إلا كوننا من ذرية آدم فهو بعيد عن بيئتي ومجتمعي وليس في مستواي تعليميا ولا ثقافيا ولا توجد صفة واحدة نجتمع عليها .
نعم إني أعذره على شكوكه التي دفعته أن يغلق الدنيا أمام ناظري وليس هذا فحسب بل إني اشعر كأني أجبرت أن أدفن معه في قبره قبل أن يموت ، وكم أتنمى أني أملك السمو الأخلاقي والديني لأصبر معه وأنال جزاء الصابرين .
ولكن فتاة بمثل سني تراقب بنات جنسها وتتمنى أنها في لباسهن أليس لي حقوق لا بد أن آخذها حتى أستطيع أن أعطيه حقوقه وأقوم بواجباته . ؟ أليس من الظلم أن ألزم بالدفع بمفردي ، ألست أحمل بين جوانبي قلبا ومشاعر وعواطف وميولا . . ؟ هل من السهل أن أقفل عليها إذا كانت أقوى مني . ؟ و ربما تقودني إلى مهالك لست أعرف أبعادها .
لن ألومه فقد اشتراني جارية ودفع قيمتها ولكن ألوم أهلي الذين أعمتهم المادة عن روح ومشاعر وعواطف ابنتهم التي تبكي اللحظات التي لبست فيها فستان الفرح وتندب حضها التعيس ، فكم تخيلت بأنهم زفوني إلى نهاية الحياة .
هل هناك جدوى أن أصرخ بأعلى صوتي لأوقظ أبي من قبره بل لأوقظ ضمائر من أصموا آذانهم لكلمة الحق وفكروا بأنفسهم بمعزل عن حقوق يتيمة ضعيفة كل ما ترجوه من الحياة أن تعيش كغيرها .
أبتاه إن دمعتي تناجي الأرض وتشكو الهم والحزن فهل أعيش حياته أم أنتظر مماته أم أدفن نفسي معه . ؟ إني في حيرة من أمري .
قد يلومني لائم ولكن من يجرب حياتي يجد بأن لي الحق أن أطرد همي بمثل تلك الكلمات في سجن النفس الحائرة فقد حضر علي زوجي أن أتصل بأي شخص من العائلة لاعتقاده بأنهم سوف يفسدونني عليه أو يحركونني ضده أو ربما يستكثر ونني عليه لست أدري ماذا يجول بخاطره وبماذا يفكر . ؟ وأنا حقيقة أملك أسلحة حواء الكبيرة ولكني لا أحب أن أستخدمها لا اعتقادي أن صبري له نهاية وأن الفرج آت قريب فقد ساورتني نفسي أن أدعم شكوكه وهواجسه و أؤكد له بما يخامره من ظنون . . ولكنني أيضا أخشى أن أندم فربما قتلته وأنا لا أدري .
وعندما رجوته أن يسمح لي لزيارة أهلي حيث أمضيت عنده أكثر من ثلاث سنوات لم يوافق خشية أن أبقى لديهم وأرفض العودة معه ولعله يعي هواجسي جيدا وإذا كانت محاولاتي السابقة لم تفلح معه بهذا الخصوص فقد كنت أنأ بنفسي لمواقف قاسية معه خشية أن تطرحه أرضا وتنهي حياته لذلك استسلمت لقدري وبقيت مع جدي ( المعرف بزوجي )الذي أصبحت أعمل لديه كالخادمة .
وينبغي ألا أنكر أن وجودي عنده أفادني بطريقة غير مباشرة حيث كنت استثمر جزءا من وقتي لمراجعة القرآن الكريم ودراسته مع بنت أخيه التي تزوره بين فترة وأخرى والتي يرجع لها الفضل في تشجيعي وإعطائي الكتيبات والنشرات الجيدة التي كنت بادئ ذي بدء أتسلى بها وأقتل بها ساعاتي الثقيلة ، ومع مرور الوقت وجدتني مغرمة بقراتها والالتزام بما تمليه علي من أخلاق ومثليات وحجاب معنوي ومظهري فزادت ثقافتي وتحسنت مفاهيمي الدينية فوجدت من يواسيني ويعينني على البعد والحرمان من الأهل والحياة بالصورة التي أريدها . . .
ومرت الحياة ببطئها سريعة فقد أوشك العام الرابع لوجودي مع زوجي على نهايته وقبل نهايته بعشرين يوما مرض زوجي أبو عامر مرضا شديدا وأخذت أتفانى في خدمته ورعايته وكان يقبل كفي ويميز حناني وعطفي عليه وعنايتي به فقد شعرت بالمرارة التي يكابدها والآلام التي يتجرعها ثم مات بعد مدة قليلة لقد بكيته كثيرا وأحسست بأني ظلمته يوم ظلمت نفسي بل هناك من ظلمنا جميعا فلم أكن المرأة التي تؤنسه كما ينبغي وتنصت جيدا لأحاديثه وذكرياته ولم يكن قادرا على النزول مسافات بعيدة ليسقيني من نبع الحياة ؛ لأن إمكانياته لا تطاوعه . .
نعم لقد كنا الاثنين ضحية مؤامرة ومطامع وسعادة لمن حولنا بنيت على تعاستنا فعاش حياته كالأعمى الذي اقتنع بكلبة الوادي معتقدا أنها عنزه الحلوب .
رحمة الله عليك يا أبا عامر وليتني لقيتك شابا كما أحلم وليتك وجدت بقربك من تعرفك وتقدرك وسامحني ربي على ما صنعته فيك ولعل أيامي الأخيرة تكفر ما جنته مشاعري وعواطفي التي لا أستطيع كبح أنفاسها لقد مضى عصر أبي عامر وبقيت أيامي أترقب إكمال مشوارها مع فتى الأحلام الذي لم يتأخر كثيرا فقد تحققت أحلامي بالشاب المؤمل ولكنها لم تحقق بالصورة التي رسمتها .
فقد تزوجت شابا وسيما اعتقدت في البداية أنه سيكون مكافأة لصبري لمعايشة أبي عامر ولكنه فتح أنيابه وأزال اللثام عن وجهه الحقيقي وأراد مني أن أكون الزوج والزوجة فأكد وأعمل بينما هو خلد إلى الراحة والفراغ التي قادته بعد فترة وجيزة إلى مهالك شرب الممنوع وأصبحت الحياة معه جحيما لا يطاق فتذكرت قبلات أبي عامر التي تلامس يدي وأدركت بأن نار أبي عامر أفضل بكثير من جنة زوجي الجديد وتمنيت أن حياتي السابقة مازالت باقية وتأملت الحكمة القائلة بأن الحياة التي يعيشها المرء مهما كانت مرة وقاسية ربما تكون أفضل بكثير مما يبحث عنه وينتظره ، وأصبحت كلمتي القاسية ( يا جدي ) التي أدعو بها زوجي السابق أبا عامر لأغيظه بها بلسما يداوي جروحي كلما ذكرتها وكأني أدعوه لينقذني من حياتي الجديدة ومن يدري فربما ما نبحث عنه أسوأ مما نعيشه ولذلك صانعت بل تصنعت وكيفت حياتي معه وسألت الله أن يتوب علي وأن يهدني وزوجي إلى الحق ولن أزيد في إيلامكم وإثقال رؤوسكم أكثر فمازالت الحياة ماضية برياحها وأمطارها ولم يشفع لي اسمي عذاب من نجاتي من عذاب الدنيا الذي أرجو أن يكون كفارة ونجاة من عذاب الآخرة نجانا الله وإياكم من حساب الله العسير وغفر لنا ولوالدينا ولإخواننا المسلمين أجمعين .






اقترحنا لكم

نبراس السبيل

الحمد لله الذي أسبغ علينا نعمة الإيمان ، وأكرمنا بهداية الإسلام ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، حامل لواء الدعوة ، وإمام المرسلين ، وعلى إخوانه الن

قراءة التفاصيل..
مناهل النبلاء

السعادة طلبة الناس أجمعين ، يعلقون على مشجبها أغلى آمالهم ، ويشدون إلى رحابها رحالهم ، وينيخون في فيافيها جمالهم , وأسعد الناس أولئك الذين يتفهمون طبا

قراءة التفاصيل..
مغامرات المتسولين

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والتسليم . وبعد يعتبر التسول بكل فنونه ودروبه حرفة قديمة وحد

قراءة التفاصيل..
شجر بلا جذور

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسولنا الأمين محمد بن عبد الله عليه افضل الصلاة والتسليم وبعد : هل يمكن أن يتصور الفرد كيف ينجو بنفسه من ال

قراءة التفاصيل..
روائع الطرائف

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد : عد النجاح الذي لاقته المحاولة السابقة في كتابي ( المواقف المحرجة فن صناعتها والخروج منه

قراءة التفاصيل..
رحلتان في رحلة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد فللأسفار منافع وفوائد وأهداف كثيرة فالمسافر يتزود بالعلم والمعارف ويستنير بالتجارب والم

قراءة التفاصيل..
خطوات على طريق الدعوة

الحمد لله القائل : (( أدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين )) * 3 . والص

قراءة التفاصيل..
تربية الاولاد بين الافراط والتفريط

. . . . . الحمد لله رب العاملين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه افضل الصلاة والتسليم . . . . . . وبعد : فإن بناء المجتمع

قراءة التفاصيل..
السجون المفتوحة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الرسول الأمين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم وبعد فإن الحياة مليئة بالمواقف المفرحة والمبكية ، السعيد

قراءة التفاصيل..
الخريف ورجالة

الحمد لله رب العالمين والصلاة على نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم ؛ وبعد : يذهب أناس ويأتي آخرون ، ذهب الأجداد وتسلم القيادة من بعدهم الآباء ، ث

قراءة التفاصيل..
جميع الحقوق محفوظه الخبير الاجتماعي صالح العثيم 2017 , تصميم واستضافة مؤسسة الابداع الرقمي