
موظف مغمور مثلي ليس له علاقات كبيرة بين أرباب الصلاحية أو معارف كثيرة بين من يملكون زحزحة الأمور يجد نفسه فجأة على قمة الأضواء فالإدارة كلها جندت للبحث عنه يا للهول ماذا دهى القوم . ؟ هل ورثت أموالا أم اكتشفت عبقريتي أخيرا أم وجد كنز يحمل اسمي . ؟ هل أنا في حلم وهل هو خير أم شر . ؟ ليتني لم أخرج من العمل ذاهبا للمستشفى لاسيما وأني وجدت بعد عودتي للعمل كل موظف يقابلني يخبرني بأن المدير العام يبحث عني وقد اتصل بي عدة مرات والسؤال المطروح ، أين كنت وأين أنت . ؟ ذهبت أفكر ماذا يريد المدير العام بسلكوح مثلي والمصيبة في مثل هذه الظروف توقع الشر أكثر من الخير .
لذلك انتابني إحساس سيئ وقلق كبير ولم أجد وقتا للبحث في توقع وتخمين أهمية البحث عني إلا وأنا واقف بين يدي رئيسي المباشر الذي باشرني بقوله : هذا أنت يا أبا فهد وصلت أين كنت . ؟ المدير العام نخل المديرية يبحث عنك قلت لقد استأذنت منك كما تعلم .
قال : هذا صحيح ولكنك تأخرت كثيرا وعندما أوشكت الجلوس على مكتبي وإذا به يقفز من مكتبه بسرعة ويمسك بيدي ليقودني إلى مدير مكتب المدير العام زاد هلعي وخوفي الموضوع كبير جدا وإلا لماذا قبض على المجرم وقيد إلى محكمة المدير العام
أفكاري أصبحت مشوشة ولا أملك مبررا واحدا لهذا الاهتمام المفاجئ ذهبت بصحبة رئيسي إلى مدير مكتب المدير العام وأدخلني عليه وقال هذا أبو فهد بشحمه ولحمه فهل قمت بمهمتي على خير وجه . ؟ ثم انصرف جلست في المكتب أتابع كل مكالمة أو توجيه أو معاملة مستعجلة أقول لنفسي هذه بخصوصي طال الوقت وأنا أنتظر وأترقب وليس لي رغبة ملحة بالدخول على المدير العام إلا لمجرد زوال قلقي ومعرفة الأمر المهم الذي استدعى كل هذا الاهتمام .
شخص مدير المكتب بصره إلي وقال لي لقد تعبنا بالبحث عنك فالمدير العام كان يريدك في عجلة من أمره .
سعدت بهذه المفاتحة فاعتذرت وبررت عدم وجودي ورجوته بنفس الوقت أن يوضح لي الغاية من البحث عني فرد علي : بأنه لا يدري ولا يحق له أن يسأل المدير العام لماذا يبحث عن أحد موظفيه .
قلت له : هل الموضوع خير أم شر . ؟ قال : تفاءل يا أبا فهد لعله خير إنشاء الله ثم عقب وقال : هل أنت مهمل في واجباتك الوظيفية أو مقصر في الأعمال التي تسند لك أو متكاسل في الحضور للعمل قلت له لا والله وأسالوا عني رئيسي .
قال ليست هذه مهمتي ولكني أحببت مساعدتك ووضع يدك على الجرح واكتشاف سر سؤال المدير العام عنك وكأنه بهذه الأفكار القاتلة ساعدني بل إنه خنقني وقادني إلى التصورات السلبية .
كنت أطمع مثلا أن يقول لي هل لك معارف كبيرة . ؟ أو هل طلبت أحدا للتوسط لك . ؟ هل تأخرت ترقيتك . ؟هل لك شكوى لم ينظر فيها . ؟ لكن فعلا لا يلام مدير مكتبه فهو موظف مثلي مغمور يناسبه البحث عن أوجه القصور .
بعد دقائق من الهدوء التام لا يقطعها إلا رنين الهاتف ممن يطلبون المدير العام فيقوم مدير المكتب بتوصيلهم به عند رغبته أو يعتذر لهم قائلا : المدير العام ليس موجودا على مكتبه إنه في اجتماع خرج عند الوكيل عند الوزير عند . . في مهمة داخلية أو خارجية ، كل يعطيه من العذر ما يناسب مكانته أو المكانة التي يحب أن يصنعها لرئيسه .
قلت في نفسي : ما بقى من الكذب إلا هذه ثم توددت إليه وسألته متى يعتقد بأني سأقابله . قال ستقابله بعد قليل إنشاء الله أخذت أفكر وأقلب في صفحات عملي الوظيفية تستوقفني بعض الوقفات البسيطة التي أعتقد أنها لن تقودني لمكتب المدير العام فقد سبق لي أن أخطأت في تحرير خطاب موجه إلى إدارة البريد ولكنه خطأ تم اكتشافه عن طريق رئيسي ومعالجته في حينه ومضى عليه وقت طويل .
كما اكتشفت أني تأخرت عن الدوام بضعة أيام أثناء ذهاب زوجتي للولادة عند أسرتها فلم يفلح المنبه باستيقاظي بعض الأيام بجانب أني لم أعتد على تجهيز احتياجاتي وفطوري فاستهلك طويلا وقتا ، وكان ورئيسي جزاه الله خيرا متفهما لظروفي ومقدرا للخل الطارئ لقناعته بأني كنت دائما أعوضه بساعات إضافية بدون مقابل .
أخذت ألاحظ بأن عقارب الساعة في مكتب مدير مكتب المدير العام تتحرك ببطء متبخترة تمشي الهوينا وكأنها سعيدة بحالتي المرتبكة وحيرتي المتهالكة التي أخذت تزيد من دقات قلبي بطريقة غير اعتيادية ، وعلى الرغم من بعد المسافة فقد هيئ لي بأن دقات قلبي قادرة على تحريك عقارب الساعة التي أمامي بدرجة أكثر سرعة ، وتمنيت أني أستطيع نزع عقاربها أو إبعادها فاسلم من خيلائها أمامي حيث خيل لي أنها تسخر مني ومن فزعي والقضية مهما كانت لا تستلزم كل هذا الحفز .
كم تمنيت أن أعرف لماذا يبحث عني المدير العام . ؟ حتى يهدأ بالي ويخف توتري معللا نفسي بشيء من التهدئة والمواساة : في أسوأ الأحول سيكون العقاب حسم أو نقل فلماذا كل هذا القلق . ؟
رجوت مدير المكتب مرة ثانية وقلت له : إذا كان وقت مقابلتي للمدير العام سيطول أرجو أن يستوضح منه سبب بحثه عني أجابني بأنه لا يستطيع أن يتدخل في شأن ليس من اختصاصه ثم أردف لا تقلق فقط ستدخل لعيه خلال خمس دقائق فما أطولها من دقائق على شخص يحسب الثواني ويتصور بأن سكين المدير العام ستطوله .
لحظات ثم أصغى للهاتف وقال أبشر المدير العام يريدك الآن يمكنك الدخول فقد طلبك وأثناء دخولي وقفت بين يديه ، فلم يحفل بوجودي كثيرا ولم أر منه سوى خياله لتوتر أعصابي وغياب التوازن عندي ؛ لأن الاهتمام الكبير الذي صاحب البحث عني زاد في إرباكي وتوتر أعصابي فأحسست معه بدوران شديد و أخذ العرق ينساب من كل أجزاء جسمي بكثرة وبصورة لافتة .
نعم لقد وقفت أمام المدير العام وكأنني أمام القاضي وهو يتابع مكالمة مع شخص آخر على الهاتف وقال له سم أبشر لحظة وأنا عندك ثم وضع سماعة الهاتف في مكانها وقال أنا مشغول الآن أراك مرة أخرى ثم انصرف بعجلة من أمره تضايقت كثيرا وخشيت أن تكون هذه المكالمة التي جاءت إليه تتعلق بموضوعي ، كما اعتقدت أن كل ما يصل إلى مكتبه يتعلق بي أيضا وربما كان الموضوع أكبر من كونه إداريا ذهبت أحصي عيوبي وأخطائي طيلة عمري .
انتهى الدوام وذهبت إلى منزلي ولاحظت أم الأولاد هواجسي وأفكاري المتشتتة وشرود ذهني في رحلات اكتشاف وتصيد لأخطائي ثم واصلت زوجتي حديثها معلقة لا الحال ما ترضي ربما أبوكم شايف له شوفة هنا أو هناك أو ربما سرنا ما نعجبك لك حق ثم أخذت تنوح بجواري وأنا مشوش من كل جانب ولست أملك رأسا لمناقشتها وإيضاح الأمور لها ومع ذلك رأيت أن الإيضاح يفرض نفسه لا سيما وأنا بحاجة لمن يقف معي ويغيثني فشرحت لها كل ما جرى .
فقالت وهي راغبة في مواساتي ما سمعنا أن موظفا سرق وقطعت يده فلا تخف ثم ماذا تسرق . . ؟ وكأنها تعني أن الأشياء التي في حوزتنا متواضعة ولا تحفز أو تستحق السرقة لم أجد في كلماتها ما يخفف عني ويواسيني ولكني على الأقل سلمت من رنينها خاصة وأن رنين طلب المدير العام لي أشعلت هواجسي وأفكاري وأخذ قلبي يدق بعنف ويتجاوب معه كل جزء في رأسي .
فأخذت حبوبا مهدئة بناء على نصيحة زوجتي وهو موقف يحسب لها فلم يبارح الألم مواقعه في رأسي لأن بواعثه وأسبابه مازالت موجودة .
صامت نفسي عن الأكل وأخذت أفكاري تبني في الهواء أفكار سوداء ؛حاولت أن أخفف من تلك الشحنات العصبية التي انتابتني فقلت في نفسي لعله يريد ترقيتي أو تكليفي بمنصب أكبر ثم نظرت لتقييم واقعي ولمحيطي وللمقاييس التي تبنى عليها مثل تلك الأمور فلم أجد فيها ما يصوغ مرور مثل تلك الأفكار والقبول بها ، ثم قلت لعله يريد أن يستشيرني في مواضيع تخص مجال عملي ثم تداركت هذا التصور لعلمي بأن المدير العام لا يقبل الاقتراحات والآراء لإحساسه بأنها تقلل من مكانته وتنقص من قيمته التي خولته هذا المكان فليس ممن يقبل المساعدة من أحد ؛ لأنه يعتقد أن قيمته تقل بمجرد تنازله وسؤاله أصحاب الاختصاص ، ومديرنا ليس من ذاك النوع الذي يسعى أن تكون قراراته سليمة بغض النظر كيف كان مصدرها وكيف تم بناؤها .
وجال بخاطري تصور آخر فربما أراد معرفة شخص سيكلفه بمهمة ويحب أن يدرس الشخص من كل جوانبه ليعرف هل يكون الشخص أهلا لتلك المهمة أم لا . ولكن هذا التصور أيضا ذاب بسرعة ؛ لأن العادة التي يجري فيها الاختيار تنبع غالبا من قواعد شخصية بحتة وليست تخضع لقواعد العمل والقدرة على الإنتاج .
عندما سكرت الأبواب أمامي في محاكمة الذات قلت لعل المدير العام رأى رؤيا على أني أفضل شخص يساعده في هذه الإدارة وأراد أن يرقيني خاصة وأني يتيم فليس لي واسطة ولا شفيع وهذا التصور هو الذي عولت عليه كثيرا لأني على الأقل أريد أن أخفف من هواجسي التي تضغط على رأسي وتكاد تمزق أوتار أعصابي .
وإذا كان هذا التصور الخيالي ناسبني وتقبلته إلا أنه لم يدخل معيار تفكيري فظللت رهين هواجسي السيئة وما يخبئه يوم غد لي فلم أذق طعم النوم وقد طاف بي الخيال على خيل المخاوف صورا بعيدة وغير مقبولة فقد وصلت إلى السجن ومكثت فيه سنين طويلة وأخذت ابكي على أولادي وتمنيت أني لم أذنب لأني لم أذنب حقا ولكن قادني التحليل والخيال إلى هذا المكان لأجد نفسي قبل الدوام بساعة على الأقل في مكتب مدير المكتب الذي ابتسم كثيرا عندما رآني ، وقال يظهر لي أنك صليت الفجر هنا قلت ياليت هذا وحسب ثم أردت أن اشرح له ما جرى فخشيت أن يسعد بما جرى لي ويعرف كم أن موقعه على بوابة المدير مهم بدرجة أكبر مما كان يتوقع فيستغله بطريق الخطأ .
تشاغلت أمامه بتنظيم ملابسي وبتقليل درجة الاكتراث بما يجري ثم قلت إذا كان المدير العام مشغولا فسوف أحضر لاحقا لأن لدي عمل فاتصل بالمدير العام ويظهر من المكالمة أن المدير العام نسي لماذا يريدني ثم طلب مني الدخول عليه فدخلت فلما مثلت أمامه تذكر فقال لي : يظهر لي أنك مزارع سابق وتعرف أمراض النخل وعندي في البيت نخله عليها غبار غير عادي ، ولقد سمعت أن للنخل أمراض .
فقلت له : نعم طال عمرك ثم جاريته في حديثه وأخبرته بما أعرف وتمنيت أنه يعرف أيضا أن للإدارة أمراض كثيرة وخطيرة فهل يتجنبها ويتقيها ويبتعد عنها كما بذل جهودا كبيرة في إبعاد الغبرة عن نخلته ويا ليته يمتك الشجاعة فيبعد الغبرة عن إدارته ليكون عادلا ونزيها ويا ليته يبذل جزءا من اهتمامه بإصلاح شئونه الخاصة في معالجة الخلل الذي غبر على جوانب الإنتاج فأضحت فقيرة وهزيلة وتمنيت أني عرفت الجوانب التي يتفاعل معها المدير العام عادة ويعطيها كل اهتمامه وحماسه حتى أنام قرير العين .
الحمد لله الذي أسبغ علينا نعمة الإيمان ، وأكرمنا بهداية الإسلام ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، حامل لواء الدعوة ، وإمام المرسلين ، وعلى إخوانه الن
قراءة التفاصيل..
السعادة طلبة الناس أجمعين ، يعلقون على مشجبها أغلى آمالهم ، ويشدون إلى رحابها رحالهم ، وينيخون في فيافيها جمالهم , وأسعد الناس أولئك الذين يتفهمون طبا
قراءة التفاصيل..
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والتسليم . وبعد يعتبر التسول بكل فنونه ودروبه حرفة قديمة وحد
قراءة التفاصيل..
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسولنا الأمين محمد بن عبد الله عليه افضل الصلاة والتسليم وبعد : هل يمكن أن يتصور الفرد كيف ينجو بنفسه من ال
قراءة التفاصيل..
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد : عد النجاح الذي لاقته المحاولة السابقة في كتابي ( المواقف المحرجة فن صناعتها والخروج منه
قراءة التفاصيل..
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد فللأسفار منافع وفوائد وأهداف كثيرة فالمسافر يتزود بالعلم والمعارف ويستنير بالتجارب والم
قراءة التفاصيل..
الحمد لله القائل : (( أدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين )) * 3 . والص
قراءة التفاصيل..
. . . . . الحمد لله رب العاملين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه افضل الصلاة والتسليم . . . . . . وبعد : فإن بناء المجتمع
قراءة التفاصيل..
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الرسول الأمين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم وبعد فإن الحياة مليئة بالمواقف المفرحة والمبكية ، السعيد
قراءة التفاصيل..
الحمد لله رب العالمين والصلاة على نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم ؛ وبعد : يذهب أناس ويأتي آخرون ، ذهب الأجداد وتسلم القيادة من بعدهم الآباء ، ث
قراءة التفاصيل..
اترك تعليقاً